فتح الله الصائغ الحلبي
44
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
لأن الكوفية ، مهما كانت متانتها ، لا تثبت « 41 » على رأس البدوي أكثر من سنة . فهو يستعملها لتقيه من الحر والبرد . وهي في الوقت نفسه منديل للمخاط ، ومنشفة للوجه والأيدي ومسح العرق . والخلاصة أنها كثيرة المنافع ، بل إن نصف كسوة البدوي كوفيته . وأهل البادية هم بذلك على صواب ، إذ لا بدّ من كوفية في البادية « 42 » . كما تبين لنا بعد الخبرة والمشاهدة ، لأنها ترد عن الوجه والأذنين والرقبة حر الشمس ووهجها صيفا ، وتقي من البرد والهواء والمطر شتاء . وهي نافعة جدا ، وثمنها يختلف على حسب صنفها . فالصنف العالي منها يبلغ ثمنه سبعة أو ثمانية غروش . أما الصنف الواطي فيكون ثمنه ثلاثة أو أربعة غروش . وبلغ ثمن جميع ما اشتريناه وذكرناه آنفا نحو ست مائة غرش ، فحزمناه ووضعناه مع جملة الرزق في الغرفة . وقال لنا نوفل في بعض الأيام هل ترغبون في زيارة القلعة ورؤيتها « 43 » . قلنا نعم ولكننا نخاف أن يحصل لنا ما حصل بحماة . فقال أنا المسؤول عن كل ما يحدث . فتوجهنا إلى القلعة ، وصعدنا إلى أعلاها ، وزرنا كامل المخادع ، لأنها بها من العمار القديم القائم أكثر من حماة . وبينما نحن ندور فيها ، وصلنا إلى مكان مثل المغارة ، فنزلنا ووجدنا في صدر المغارة ماء جارية آتية من الغرب ورائحة نحو الشرق ، وهي تخرج من طاقة طولها ذراعان وعرضها ذراع ، وتجري الماء نحو أربعة أذرع ، ثم تدخل في شباك من حديد متجه نحو المشرق ، إلا أن هذه 2 / 8 المياه غزيرة قوية ، يمكن أن تدير حجر طاحون ، وهي تنحدر من المغرب / وتجري نحو الشرق ، ولا يعرف أحد من أين تأتي ولا إلى أين مجراها . فشربنا منها وهي ماء طيبة عظيمة ، ولكنها في مكان مخفي نوعا ما ، ولا يتجرأ « 44 » إلا القليل من الناس على النزول إلى المغارة لرؤية هذه الماء . وأخبرنا نوفل أنه سمع من بعض الرجال الطاعنين في السن « 45 » أن هذا الشباك كان سدّ في الزمن القديم فجرى الماء في خندق القلعة . ولكن بعد ستة أشهر حضر درويش من العجم وصعد إلى القلعة وفتح الشباك . وسمع به الحاكم فأمر بإحضاره وأراد قتله ، لأنه عمل شيئا ، ولم يأخذ إذن الحاكم . ففدى الدرويش نفسه بمبلغ من المال ، قدمه للحاكم ، حتى صفح عنه .
--> ( 41 ) « تضاين » . ( 42 ) « الجول » . ( 43 ) « تتفرجوا » . ( 44 ) « له جراعا » . ( 45 ) « اختيارية » - ختيارية .